23أكتوبر
الثقة الإبداعية

الثقة الإبداعية: نقطة البداية لحياة مليئة بالإبداع و التجارب

تخّيل!

تخيل معي عزيزي القارئ أننا مازلنا اليوم لا نملك جهاز حاسب آلي في كل منزل ! ولا نعرف ما هو الأيفون أو أي نوع آخر من الهواتف الذكية !

برأيك كيف ستكون طريقة عملنا و وصولنا إلى المعلومات و ما هو تأثير هذه الصورة المخيفة ” بالنسبة لي على الأقل ?” على حياتنا اليومية؟

قد ينسب البعض فضل وجود هذه المنتجات في حياتنا اليومية إلى ستيف جوبز مؤسس شركة أبل،  و على الرغم من كثرة إستخدام قصصه الإسطورية والمبالغ فيها في بعض الأحيان، إلا أنني كلما أتعمق في قراءتي لهذه القصص و ربط الأحداث ببعضها البعض يزداد إدراكي لحجم التأثير الذي يمكن لشخص واحد أن يقوم به لتغيير أسلوب حياة الملايين من الأشخاص.

ستيف جوبز ( على الرغم من الجدل الكبير حول شخصيته ) عرف بثقته العجيبة بنفسه و قدرته على رؤية الفرص و إلهام فريق عمله لتحدي كل الطرق التي يمكن استخدامها في تطوير أي منتج، كل هذا و هو لم يمتلك أي مهارة في التصميم والهندسة إطلاقاً !.

أدرك جوبز أن لديه قدرة تميزه عن غيره من المنافسين والتي تكمن في تطوير و تعديل الإختراعات و الإبتكارات الموجودة و إعادة تصميمها بشكل مبسط و أقل تعقيداً!

هذه التعديلات البسيطة ساهمت في أن يتم تسجيل أكثر من ٣٠٠ براءة إختراع تحت إسمه حتى الآن وأهمها كانت في سنة ١٩٨٣ بعنوان مختصر جداً “الحاسب الشخصي Personal Computer“.

 

ستيف جوبز

 

ثقة ستيف جوبز جعلته و بكل جرأة يسعى لمواجهة عملاق التقنية في ذلك الوقت شركة IBM و أن يكون حلمه هو وضع جهاز حاسب آلي في كل منزل فقط لإيمانه بأن هذا الجهاز الصغير سوف يجعل الإنسان المخلوق الأكثر إبداعاً وكفاءة على وجه الأرض !

 

  • خذ جزءاً من وقتك و راقب الأشياء التي تؤثر على حياتك بشكل يومي وحاول أن تعرف قصة إبتكارها ؟
  • هل تعتقد بأن أصحاب هذه الإبتكارات لم تكن لديهم الثقة الكافية بقدراتهم ؟
  • ماذا لو لم يكن لأصحاب هذه الإبتكارات الجرأة الكافية لإتباع أحلامهم ! كيف سيكون واقعنا اليوم ؟
  • كيف إستطاع ستيف جوبز و غيره من المبتكرين الحصول على هذه الثقة؟  و هل هي فعلاً مهمة في عملية الإبتكار ؟

 

 

ماهي الثقة الإبداعية؟

 

في التدوينة الأولى إتفقنا على مبدأ رئيسي وهو أننا كلنا ولدنا مبدعين! و هذا شئ جميل لكن وجود هذه الصفة الإنسانية غير كافي بحد ذاته لبدء العملية الإبداعية و الوصول إلى منتجات و خدمات مبتكرة لاحقاً.

العملية الإبداعية كأي مهارة أخرى تحتاج إلى أدوات و تدريب مستمر لصقلها ولكنها لن تكون مجدية إذا لم توجد لدينا الثقة التامة بأننا نستطيع أن نبدع و نبتكر فعلياً!

في كتاب الثقة الإبداعية و الذي إلهاماً لكتابة هذه المقالة، قام الكاتبان توم و ديفيد كيلي المؤسسان لشركة الإبتكار والتصميم الشهيرة IDEO و التي تتبنى اليوم حراك نشر ثقافة التفكير التصميمي حول العالم بتعريف الثقة الإبداعية على أنها ببساطةالقدرة على إيجاد أفكار جديدة و الشجاعة على تجربتها و تنفيذها!

 

الثقة الإبداعية هي القدرة على إيجاد أفكار جديدة
و الشجاعة على تجربتها و تنفيذها!

 

بالنسبة للكاتبان فإن الثقة الإبداعية تعتبر “قلب عملية الإبتكار” فالأشخاص الذين يمتلكون هذه الثقة لديهم فرصة أكبر لإيجاد الحلول و بالتالي النجاح و تغيير العالم من حولهم. هذه الثقة هي نتيجة تراكمية تبدأ بإيمان قوي ينبع من إدراكنا لأماكن ضعفنا قبل قوتنا و بأننا قادرون على صنع فرق و ترك الأثر الذي نريد رؤيته في حياتنا!  

 

اقتباس

 

 

لماذا نحتاج إلى الثقة الإبداعية:

 

إذا أخذنا عينة من الشباب اليوم الذين قضوا ١٢ عاماً على الأقل في مقاعد الدراسة و مستعدون لبدء الحياة الجامعية و العملية و قمنا بسؤالهم أسئلة البسيطة مثل :

  • ما هي مواهبك ؟
  • ما الذي يميزك ؟
  • ماهو التخصص الجامعي الذي تريده ؟
  • ماهي المهنة التي تريد العمل بها ؟

في توقعي ستكون النتيجة في الغالب هي ” لا أعرف !!”

هذا الجواب و على الرغم من كونه لا يتعدى أحرف قليلة إلا أن تأثيره على مجتمعاتنا و مستقبلنا يمكن أن يكون بدون مبالغة كارثياً !

السبب في ذلك أن كلمات مثل “ما أعرف” و “مشي حالك” و “كلنا كنا كدة” التي طبعَت في عقول العديد منا أن الإبداع في مجال معين و فهم ذواتنا بشكل أفضل هو ميزة لفئة معينة من الناس  أو شئ غير ضروري! ستؤدي بطبيعة الحال إلى تخريج أجيال من الأشخاص الغير واثقين بقدراتهم و ليس لديهم أهداف و مشاكل يريدون حلها في هذا العالم !

لهذا السبب سيكون لدينا معلمون “مش فاضيين” لتعليم الطلاب و حلمهم أن يصبحوا رجال أعمال مثلاً !

و سيكون لدينا أطباء درسوا وتخرجوا بأفضل الشهادات فقط لأن درجاتهم كانت فلكية أيام المدرسة ! وليس بسبب شغفهم في تحسين حياة الناس ! ” أحياناً يشعرك بعض الأطباء عند زيارتهم بالذنب لأنك مرضت و اضطررت للذهاب إليهم ! “

و سيكون لدينا مهندسون “مشي حالك !

و موظفين يتسابقون بشكل أسرع من البطل الأولمبي بولت للوصول إلى جهاز البصمة عند إنتهاء الدوام يومياً!!!

 

٨٠٠٠ ساعة عمل

 

في بحث لطلاب من جامعة أكسفورد، استنتج الباحثون بعمليات حسابية بسيطة أن معدل مايقضيه الفرد في الحياة الوظيفية بشكل عام هو تقريباً حوالي ٨٠،٠٠٠ ساعة ! هل برأيك ستكون هذه الساعات الطويلة و التي ستكون معظمها في فترة عز الشباب و الطاقة الإبداعية مثمرة و مليئة بالإنجاز و الإنتاجية إذا كنا ما زلنا “لا نعرف أنفسنا” و لا ندرك القدرات الهائلة التي أكرمنا الله عز وجل بها !

هل تأخر الوقت، بالطبع لا

سواءً كنت طالباً، موظفاً، رائد أعمال أو حتى على وشك التقاعد فيمكنك البدء اليوم في بناء ثقتك الإبداعية و بناء حياة مليئة بالتجارب و الإنجاز. 

 

كيف تبني ثقتك الإبداعية

 

١- غير عقليتك !

تعتقد باحثة العلوم النفسية في جامعة ستانفورد كارول دويك أن معظم البشر لديهم نوعان من عقليات التفكير و هي “عقلية الثبات” و ” عقلية النمو

عقلية “الثبات” تجعل أصحابها يعتقدون بأنهم و منذ ولادتهم ليس لديهم إلا مقدار محدد من الذكاء و المواهب “إذا وجدت أصلاً!” و لا يستطيعون أبداً تطوير هذه القدرات و بالتالي يفضلون دائماً التواجد في منطقة الراحة  Comfort Zone.

على النقيض، فإن أصحاب عقلية “النمو” لديهم قدرة عجيبة في تحدي أنفسهم و تطوير قدراتهم و عدم قبولهم للأشياء كما هي و يسعون دائماً للتواجد في منطقة الإبداع!

من الشروط الأساسية لبدء رحلتك في بناء ثقتك الإبداعية هي الخروج من عقلية “الثبات” و تبنى عقلية “النمو و الإيمان بأن قدراتك غير محدودة و ليست ثابتة و بأنك قادر على تعلم أي شئ تريد تعلمه وتجربة أي شئ تريده و أنك لن ترضى بأن تعيش حياة أقل مما تستحق.

 

دائرة الراحة ودائرة الربداع

 

٢- تجاوز الخوف

أحد الغرائز الأساسية التي ساعدت على بقاء البشرية إلى الآن هي غريزة “الخوف” و هي شئ أساسي في حالة مواجهتنا للمخاطر حولنا . المشكلة تبدأ إذا استخدمنا هذه الغريزة للهروب من كل شئ في حياتنا!

فالعديد منا يخاف من “كلام الناس” و يخاف من “الفوضى” و “المجهول” و عدم مقدرته في “التحكم” في كل شئ!

خوفنا هو أكبر عائق يمنعنا من الوصول إلى ثقتنا الإبداعية وهو نتيجة لعوائق ذهنية و ضعناها لأنفسنا.

في الغالب تكون هذه الإعتقادات سبباً لأن نتجمد في مكاننا و تمنعنا من القفز إلى مناطق جديدة.

إسأل نفسك دائماً ما هو أسوأ شيء ممكن أن يحصل لي ؟ و ستكتشف أنك في حياتك غالباً قد تغلبت على مشاكل أكبر من ذلك بدون أن تدرك.

فقط خذ بالأسباب و توكل على الله و إسمح لنفسك أن تفشل !

الخوف

٣- راقب نفسك

في الكتاب الشهير “من جيد إلى عظيم” ذكر الكاتب جيم كولنز قصة حكى فيها عن طريقته في إكتشاف شغفه و قدراته بسبب تجربة قام بها في مرحلة الطفولة.

جيم كان طفلاً إنطوائياً متعلقاً بالعلوم والأبحاث بشكل كبير “يعني دافور ?”  و كان دائماً يحب مراقبة الحشرات في حديقة منزله و تدوين ملاحظاته عن هذه التجارب التي يراها يومياً. كبر جيم و مثل العديد منا كان يعاني من عدم معرفته لشغفه و ماهي المهنة التي يريد أن يعمل بها. تذكر جيم طريقته في الملاحظة عندما كان طفلاً و قرر أن يراقب نفسه لمده عام كامل و تدوين ملاحظاته في يوميات اسماها ” حشرة تدعى جيم!”  

 

راقب نفسك

 

شخصياً قمت بتجربة مشابهة قبل عدة سنوات عن طريق مراقبة مستوى طاقتي يومياً! لاحظت أنه في معظم الأيام التي مازال لدي طاقة و حماس بعد يوم طويل من العمل، ففي الغالب أني كنت أقوم بشئ أحبه طوال ذلك اليوم !

تجربة جميلة أنصحك أن تقوم بها!

 

٤- أكثر من المشاريع الجانبية

شركة جوجل إشتهرت بإعطاء موظفيها ٢٠٪ من وقتهم للقيام بمشاريع جانبية خارج نطاق عملهم. هذه الطريقة أدت إلى أن يعمل الموظفين في مهام هم شغوفون بها فعلياً و لا يمانعون العمل عليها ساعات طويلة. أحد النتائج الناجحة لتبني هذه الطريقة كانت بريد جوجل الشهير GMAIL.

قد تفاجئ بالأبواب و الفرص التي قد تفتح لك إذا جربت شئ جديد كل فترة، هواية جديدة، رحلة إلى مكان غريب ، كتاب في غير مجالك أو مشروع تجاري جانبي قد يصنع فرق كبير في حياتك.

٥- المعرفة = الإنتباه للتفاصيل

المعرفة هي مفتاح الإبداع و الإبتكار مجال معين، فلا يمكننا أن نتوقع أن يبدع شخص في مجال البرمجة مثلاً بدون دراسة العلوم المتعلقة بهذا المجال.  لكن هناك طريقة أخرى لإكتساب المعرفة قد فقدت من قبل الكثير منا و هي ببساطة الإنتباه للعالم من حولنا!

في خضم الزحام الشديد في حياتنا اليوم فمن المهم أن نحاول إرتداء قبعة المسافر دائماً و نستمتع بالتجارب الصغيرة التي حولنا، أن نسأل و نبحث عن إجابات جديدة دائماً و أن  نترك مجال للمراقبة و التفكر في الأشياء التي حولنا ! 

عقلية المسافر

٦- إكتشف منطقة إبداعك

داوئر الإبداع هي طريقة بسيطة أقوم بها دائماً في مقابلات التوظيف الشخصية و لاقت استحساناً كبيراً من قبل من أقابلهم، و تسطيع أن تقوم بها لمحاولة إكتشاف منطقتك الإبداعية. 

ببساطة خذ ورقة بيضاء و قم برسم ٣ دوائر متداخلة و حاول أن تفكر في كل دائرة بشكل منفصل.

 

دوائر الإبداع

 

الدائرة الأولى: دائرة الشغف

إسأل نفسك ماهي الأشياء التي تسعدك ، تكون فيها طاقتك عالية، و مستعد تقضي الساعات الطويلة في عملها بدون ملل

قد تكون هواية أو شئ بسيط بالنسبة لك لكن لها دلالة كبيرة على هويتك

 

الدائرة الثانية: دائرة الإتقان

ما هي المهارات التي تتقنها و تتميز بها في عملك/دراستك بشكل جيد ؟ هل أنت متميز في الكتابة؟ في حل المشاكل ؟ ام في تقديم العروض التقديمية لزملائك و عملائك ؟

 

الدائرة الثالثة: دائرة الفرص

أنت اليوم بحاجة شديدة إلى المال ؟ هل تملك أي موهبة أو خبرة تستطيع أن تكون دخلاً لك ؟

ما هي الفرص الحالية حولك التي قد تفتح لك باباً للرزق ؟

 

التحدي هو إيجاد نفسك بين هذه الدوائر، فإذا كنت شغوفاً في مجال معين و كنت أيضاً متقناً لمهارة متعلقة بها لكن لا يوجد فرصة تدر عليك دخلاً كافياً فيمكنك إعتبارها هواية ممتعة فقط !

و في حال كنت متقنآً لمهارة ما و كانت تدر عليك دخلاً مادياً و لكنك لست شغوف بها فالله يعينك على حياة مليئة بالملل !

بعد أن تقوم بهذه التجربة حاول أن تجد مكانك في تقاطع هذه الدوائر  و أن تنمي هذه المنطقة التي تمثل قمة قوتك و ثقتك الإبداعية. بالممارسة و التجربة و التعلم.

 

رسالة إلى كل مبدع

 

  • من تجربة شخصية فإن أسوأ شعور قد يصيب أي شخص يرغب في أن يعيش حياة مليئة بالإبداع و الإنجاز هو عدم إدراك قدراته الكامنة و تضييع وقته على اشياء غير مهمة و الإصابة بشلل الخوف من التجربة !!

 

  • “اغلى شيء نملكه ولا يمكن تعويضه هو أعمارنا القصيرة ” لذلك يفضل أن تستثمرها بشكل جيد و أفضل استثمار هو أن تكتشف من أنت و لماذا أنت موجود في هذه الحياة؟

 

  • إيمانك بدورك في عمارة هذه الأرض مهم جداً لتعزيز ثقتك الإبداعية، ادراكك لهذه المهمة العظيمة بغض النظر عن مجال تخصصك وعملك سوف يكون الخطوة الأولى لتحفيزك على إكتشاف قدراتك الإبداعية و تنميتها بالشكل الصحيح

 

  • ايجاد ثقتك الإبداعية هي مسؤوليتك أنت وحدك و هي رحلة طويلة و شاقة ،مليئة بالتجارب والفشل، و في الغالب لن تعرف متى ستصل الى وجهتك، الشيء المؤكد الوحيد هو أنك ستصل بإذن الله ، لذلك استمر !

 

كتب أنصح بها لبناء ثقتك الإبداعية:

 

دمتم مبدعين،

 

يمكنك مشاركة رابط التدوينة من هنا

شارك التدوينة !

عن تركي فقيره

اترك رد


الحقوق محفوظة لمدونة تركي فقيره 2020